هبوط حاد في أسهم الرقائق عالمياً مع إعادة تقييم استثمارات الذكاء الاصطناعي
امتدت موجة البيع في أسهم رقائق الذكاء الاصطناعي، الثلاثاء 13 أكتوبر/تشرين الأول، إلى الأسواق العالمية، وسجل قطاع أشباه الموصلات تراجعات واسعة من كوريا واليابان إلى الولايات المتحدة. هبط مؤشر كوسبي الكوري أكثر من 6% خلال الجلسة قبل أن يغلق منخفضاً 5.5%، فيما تراجعت كيوكسيا اليابانية لشرائح الذاكرة بأكثر من 10% خلال التعاملات وأنهت الجلسة على هبوط يتجاوز 13%.
في نيويورك نزل مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات (SOX) أكثر من 3% خلال الجلسة، وتراجعت ميكرون تكنولوجي (MU) بأكثر من 6%، بينما سجلت سان ديسك (SNDK) وسيجيت تكنولوجي (STX) وويسترن ديجيتال (WDC) خسائر تقارب 6% أو أكثر عند أدنى مستوياتها خلال اليوم. ومع تراجع ضغوط البيع بعد الظهر قلّصت الأسهم خسائرها؛ إذ أغلق المؤشر منخفضاً نحو 0.2%، وميكرون 3.6%، وويسترن ديجيتال 1.6%، وسيجيت 0.8%، وسان ديسك 0.3%. وكان المؤشر قد أغلق جلسة الاثنين على خسارة 2.7%، متجهاً نحو خامس جلسة هبوط متتالية، وهي الأطول في نحو 17 شهراً.
لا يفسر عامل واحد هذا التراجع. تشير تحليلات رويترز إلى أن حماسة الاستثمار في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية، بعد نحو أربع سنوات، بدأت تتراجع لصالح قراءة أكثر حذراً: ارتفاع أسعار الفائدة، وتزايد تقلب سوق السندات، وصعود كلفة تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، والتساؤل عما إذا كانت النفقات الرأسمالية الضخمة ستتحول إلى عوائد فعلية. وأضاف إلى ذلك تعليق شركة فيرموس لتشغيل مراكز البيانات، التي تمتلك إنفيديا حصة فيها، خططها لطرح عام أولي بقيمة 5 مليارات دولار في أستراليا، وكشف تشانغشين الصينية (CXMT) عن تقدم في تطوير بنية DRAM بمعمارية 4F².
إعادة تقييم منطق التداول: من مطاردة النمو إلى المطالبة بالعوائد
منذ إطلاق أوبن إيه آي نموذج ChatGPT، تواصلت تدفقات رأس المال إلى شركات أشباه الموصلات ومشغلي مراكز البيانات وشركات البنية التحتية للاتصالات وغيرها من المستفيدين من طاقة الحوسبة. ودفع هذا الازدهار أسهم الرقائق إلى مكاسب كبيرة، ورافقه توسع في النفقات الرأسمالية على مراكز البيانات والخوادم. لكن علامات التصحيح ظهرت في هذه الأصول منذ يونيو/حزيران، ثم امتدت إلى أسواق التمويل الأولي والائتمان. ولم يكن تعليق فيرموس لطرحها سوى مؤشر على تحوّل المستثمرين إلى تقييم أكثر حذراً لمخاطر مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
سوق السندات أرسل بدوره إشارات حذر. فمع تزايد طلب التمويل صار المستثمرون أكثر تركيزاً على كلفة الاقتراض وقدرة الشركات على السداد. أصدرت تينسنت هولدينغز، الثلاثاء، سندات مقومة بالدولار وسندات ديم سام في هونغ كونغ، وجاء إرشاد العائد لسنداتها الدولارية لأجل عشر سنوات أعلى بنحو 115 نقطة أساس من عائد سندات الخزانة الأميركية. وفي الشهر الماضي أصدرت سوفت بانك اليابانية سندات عالية العائد بقيمة 4.5 مليار دولار وأجل سبعة أعوام ونصف وبسعر فائدة أقصى 9.75%.
ويقول داميان بوي، خبير استراتيجيات المحافظ في ويلسون لإدارة الأصول في سيدني، إن التحول الجوهري لا يقتصر على ارتفاع عوائد السندات بل يشمل أيضاً زيادة تقلبها، وهو تغيّر ينتقل تدريجياً إلى تسعير مختلف الأصول، مرجحاً أن تتراجع سخونة النفقات الرأسمالية في قطاع الذكاء الاصطناعي وأن يتأثر بعض الفاعلين بذلك.
وخفّض قسم الأبحاث في بلاك روك، الاثنين، نظرته للسوق الأميركية إلى «محايد» بسبب التقلبات المحتملة الناتجة عن استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع تفضيل لأذون الخزانة قصيرة الأجل. وحذر صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، من أن تصحيح سوق الذكاء الاصطناعي قد تمتد آثاره عالمياً. فالاستثمارات تحمل وعداً للنمو، لكن الغموض يحيط باحتمال تحقيقها عوائد توازي التوقعات، ما يعني انتقال بوصلة السوق من الرهان على نمو الطلب على الحوسبة وزيادة الإنفاق الرأسمالي إلى متغيرات جديدة: كلفة رأس المال، واستدامة التمويل، والعائد على الاستثمار.
من اليابان وكوريا إلى وول ستريت: ضغوط بيع عابرة للأسواق
سجلت سامسونغ إلكترونيكس وإس كيه هاينكس الكوريتان هبوطاً يتجاوز 7% و10% على الترتيب عند الإغلاق، وانخفض كوسبي للجلسة الخامسة على التوالي. وفي الولايات المتحدة تعرضت أسهم الرقائق لضغوط مماثلة؛ إذ تراجعت ميكرون أكثر من 6% خلال جلسة الثلاثاء، وسيجيت نحو 8%، وويسترن ديجيتال أكثر من 7%، وإس كيه هاينكس أكثر من 6%، وسان ديسك نحو 6%.
ولفت هذا التصحيح الأنظار لأن الأسهم المعنية كانت قد جمعت مكاسب ضخمة سابقاً. حتى إغلاق الاثنين بلغت مكاسب مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات نحو 72.8% منذ بداية العام، فيما تجاوزت مكاسب سهم ميكرون 240% هذا العام. وقد جعل الصعود القوي المستثمرين أكثر حساسية للتقييمات وتركز المراكز والمخاطر التنافسية المحتملة. واتساع نطاق البيع، من عمالقة التخزين الكوريين إلى أسهم الرقائق الأميركية، يعني أن القلق لم يعد محصوراً في تقدم شركة بعينها، بل يتعلق بإعادة تقييم أسس القيمة لكامل سلسلة توريد عتاد الذكاء الاصطناعي، وقدرة الزيادات المتواصلة في الإنفاق على توليد أرباح وتدفقات نقدية كافية.
تقدم تشانغشين يشعل القلق... ووول ستريت تتحدث عن جني الأرباح
وفّر الكشف عن تقدم تشانغشين في معمارية 4F² لشرائح DRAM محفزاً جديداً لهذه الموجة. وخلال المؤتمر الرابع للرقائق المتكاملة والرقائق المتعددة الشرائح (Chiplet) في 9 و10 أكتوبر، عرض تساو كانيو، رئيس الشركة، جهودها في أجهزة DRAM ومعمارية 4F² والربط الهجين، وأعلن أن جيلاً جديداً من شرائح ذاكرة الخوادم DDR5 RDIMM يدمج هذه التقنيات يُتوقع إطلاقه قبل نهاية العام.
ويعتمد المعيار الحالي في القطاع على بنية خلية 6F²، في حين تستخدم تشانغشين ترانزستور VSG المطوَّر داخلياً لإعادة ترتيب مصفوفة الذاكرة، بما يحسّن التحكم في البوابة ويقلل التسرب ويصغّر حجم الخلية لزيادة كثافة التخزين. وإذا تحقق الإنتاج الكمي المستقر، فسيمنح ذلك المصنّعين الصينيين قاعدة تقنية جديدة لدخول سوق ذاكرة الخوادم.
لا إجماع في السوق على حجم الأثر. ويصف روبرت بافليك، مدير محافظ أول في داكوتا ويلث، الحركة بأنها موجة جني أرباح، ويقول إن السوق قد تندفع دفعة واحدة إلى الخروج حين يدرك المستثمرون أن منافسة محتملة تقترب. وفي قطاعات تداول مزدحمة يكفي مجرد احتمال منافسة جديدة، قبل أن يتحول إلى تغيّر فعلي في الحصص السوقية، لتحفيز بيع مركّز.
وتؤكد تحليلات إعلامية أن تقدم تشانغشين مهم فعلاً، لكن لا ينبغي مساواته بتهديد فوري مباشر للمصنّعين القائمين. ويقول فيليب وول، كبير استراتيجيي السوق في رايليانت غلوبال أدفايزرز، إن هذا التقدم يمثل لحظة مهمة للصناعة الصينية، لكن حجم هبوط أسهم الرقائق في الخارج، الثلاثاء، قد يكون غير متناسب مع التهديد الفعلي في المدى القريب؛ فتشانغشين لم تثبت بعد قدرتها على الإنتاج الكمي الواسع، وحصتها السوقية أدنى بكثير من سامسونغ وإس كيه هاينكس، والأهم أن النقاش يدور حول معماريات DRAM التقليدية لا حول HBM، حيث يبقى التفوق الكوري واضحاً في الأفق المنظور.
ويشير في-سيرن لينغ، المستشار الأول للأسهم في يو بي إس، إلى أن المستثمرين يبحثون عن ذريعة لجني الأرباح، خصوصاً في أسهم الذكاء الاصطناعي وأسهم الذاكرة التي أدت بقوة هذا العام، وأن المصنّعين الصينيين لا يزال أمامهم طريق طويل في مجالات متقدمة مثل HBM. والرأيان لا يتناقضان: التقدم التقني قد يغيّر توقعات المنافسة المستقبلية، لكنه لا يعني اكتمال القدرة على تحدي عمالقة الذاكرة الدولية.
وكان إيلون ماسك قد علّق، الاثنين، على تطور صناعة شرائح الذاكرة الصينية عبر منصات التواصل الاجتماعي، فقال إن الصين ما إن تتمكن من إتقان تصنيع منتج حتى تتجاوز قدرتها الإنتاجية الكمية نظيراتها في العالم، مستشهداً ببطاريات الليثيوم وصناعة الطاقة الشمسية، ومشيراً إلى أن بكين تبدو في طريقها لتجاوز المواصفات الشائعة مثل LP5 وLP6 بسرعة. لكن التقدم التقني وإطلاق المنتج وتوثيق العملاء والإنتاج الكمي مراحل مختلفة؛ وتطور تشانغشين يرفع وعي السوق بتصاعد المنافسة، لكن الإفصاحات الحالية لا تكفي لإثبات قدرة تجارية تعيد رسم ملامح سوق ذاكرة الخوادم المتقدمة.
تكلفة رأس المال وعائد الاستثمار: السؤال الجديد
تراجع أسهم الرقائق جزء من تحول أوسع. فمع استمرار استهلاك مشاريع البنية التحتية لرأس المال، يتجه الانتباه إلى كلفة التمويل وحجم الاستثمار والتدفقات النقدية المستقبلية. وقال هوك تان، الرئيس التنفيذي لبرودكوم، في فعالية بسنغافورة، الاثنين، إن رأس المال قد يكون أحد أكبر قيود نمو قطاع الذكاء الاصطناعي، ما يبرز تحدياً عملياً: الطلب على الحوسبة قوي، لكن المعروض من رأس المال وكلفته قد يحدان من وتيرة التوسع. وعلى المستثمرين أيضاً تقدير ما إذا كانت استثمارات البنية التحتية ستتحول باطراد إلى إيرادات وأرباح؛ فمراكز البيانات والرقائق وبنية الطاقة تحتاج التزامات طويلة الأجل، وتوقيت تحقيق العوائد يحدد قدرة الشركات على جمع التمويل وتدفقاتها النقدية وتقييمها.
وحذر صندوق النقد الدولي في تقريره، الثلاثاء، من أن العوائد الاقتصادية لاستثمارات الذكاء الاصطناعي قد تكون أقل من توقعات بعض المشاركين في السوق؛ واستمرار التوسع في الإنفاق دون زيادة مماثلة في الأرباح والإنتاجية قد يفتح الباب لمزيد من إعادة التسعير.
دورة الذكاء الاصطناعي لم تنته... لكن معايير التقييم تغيّرت
رغم موجة البيع لم يستنتج السوق على نطاق واسع انتهاء دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فقد ارتفع سهم ميتا نحو 3.4%، الاثنين، بعد إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي جديد، ما يشير إلى أن تقييم المستثمرين للتقدم التقني والقدرة التنافسية لمنتج بعينه لم يعد متطابقاً تماماً مع نظرة القطاع ككل. ويرى مارك فيلان، رئيس الاستثمار في لوسيرن لإدارة الأصول بسنغافورة، أن التقلب الحاد في السوق الكورية يعكس تعديل مراكز ومسائل كلفة رأس المال أكثر مما يعكس تدهوراً في الطلب الأساسي، وأن الدورة قد تدخل مرحلتها التالية حيث يتركز الاهتمام على قدرة التسويق التجاري والعائد على رأس المال المستثمر بدل المراهنة على التوسع في البنية التحتية.
هل يستمر نمو الطلب على حوسبة الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للاستثمارات أن تحقق عوائد معقولة؟ وهل تضغط المنافسة على هوامش الأرباح؟ أسئلة مترابطة لكنها متمايزة. والسؤال الأهم ليس حجم ما ستنفقه الشركات، بل ما إذا كان هذا الإنفاق سيتحول إلى إيرادات وأرباح وتدفقات نقدية. وتعليق الطروحات البارزة، وارتفاع كلفة التمويل، وتقلب السندات، وتغيّر توقعات المنافسة بعد تقدم تشانغشين، كلها تفاصيل ترسم خلفية هذا التحول. الازدهار لم ينتهِ، لكن مرحلة دفع التقييمات بالنمو وحده تواجه تدقيقاً أشد، ومع إدخال كلفة رأس المال الصاعدة وديناميكيات المنافسة وضبابية العوائد في التسعير، قد يكون هذا التصحيح العالمي في أسهم أشباه الموصلات إشارة إلى أن السوق تعيد تقييم مخاطر استثمارات الذكاء الاصطناعي وعوائدها.